ابن خلكان

174

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

إليك ، قد نظر الأمير فيما نظر فيه من الرقاع ، وأنا أعيد ما فيها وما وقّع به الأمير على رقعة رقعة ، قال : فأمر وأحضرت الرقاع ، فقال الأصمعي : سأل صاحب الرقعة الأولى كذا ، واسمه كذا ، فوقع له بكذا ، والرقعة الثانية والثالثة حتى مرّ في نيف وأربعين رقعة ، فالتفت إليه نصر بن علي فقال : أيها الرجل ، أبق على نفسك من العين ، فكفّ الأصمعي . وحكي عن عباس بن الفرج قال : ركب الأصمعي حمارا دميما ، فقيل له : بعد براذين الخلفاء تركب هذا ؟ فقال متمثلا : ولما أبت إلا انصراما لودّها * وتكديرها الشّرب الذي كان صافيا شربنا برنق من هواها مكدّر * وليس يعاف الرّنق من كان صاديا هذا وأملك ديني أحبّ إليّ من ذاك مع فقده . وقال الأصمعي : ذكرت يوما للرشيد نهم سليمان بن عبد الملك ، وقلت : إنه كان يجلس ويحضر بين يديه الخراف المشويّة وهي كما أخرجت من تنانيرها ، فيريد أخذ كلاها فتمنعه الحرارة ، فيجعل يده على طرف جبته ويدخلها في جوف الخروف فيأخذ كلاه ، فقال لي : قاتلك اللّه ، ما أعلمك بأخبارهم ! اعلم أنه عرضت علي ذخائر بني أمية ، فنظرت إلى ثياب مذهّبة ثمينة « 1 » وأكمامها ودكة « 2 » بالدّهن ، فلم أدر ما ذلك حتى حدثتني بالحديث ، ثم قال : عليّ بثياب سليمان ، فأتي بها ، فنظر إلى تلك الآثار فيها ظاهرة فكساني منها حلة ، وكان الأصمعي ربما خرج فيها أحيانا فيقول : هذه جبة سليمان التي كسانيها الرشيد . وحكي عنه قال : رأيت بعض الأعراب يفلي ثيابه ، فيقتل البراغيث ويدع القمل ، فقلت : يا أعرابي ، ولم تصنع هذا ؟ فقال : أقتل الفرسان ثم أعطف على الرّجّالة ] « 3 » . وكان جده علي بن أصمع سرق بسفوان ، فأتوا به علي بن أبي طالب

--> ( 1 ) المطبوعة : يمنية . ( 2 ) ر : زهكة . ( 3 ) ما بين معقفين زيادة من ر ، وقد سقط بعضه من وستنفيلد ، وكتب في المسودة في موضع هذا النص : « هاهنا تكتب التخريجة » .